ابو القاسم عبد الكريم القشيري

342

لطائف الإشارات

من رضى بالحظ الخسيس من عاجل الدنيا بقي عن نفيس الآخرة ، ثم لا يحظى إلا بقدر ما اشتمّه ، ثم يكون آنس ما به قلبا وأشدّ ما يكون به سكونا . . ثم يختطف عن نعمته ، ولا يخصه بشئ مما جمع من كرائمه ، ويمنعه من قربه في الآخرة . . ولقد قيل : يا غافلا عن سماع الصوت * إن لم تبادر فهو الفوت من لم تزل نعمته عاجلا * أزاله عن نعمته الموت قوله جل ذكره : [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 19 ] وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ( 19 ) علامة من أراد الآخرة - على الحقيقة - أن يسعى لها سعيها ؛ فإرادة الآخرة إذا تجرّدت عن العمل لها كانت مجرد إرادة ، ولا يكون السعي مشكورا . قوله : « وَهُوَ مُؤْمِنٌ » : أي في المآل كما أنه مؤمن في الحال . ويقال وهو مؤمن أنّ نجاته بفضله لا بسببه . « فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً » أي مقبولا ، ومع القبول يكون التضعيف والتكثير ؛ فكما أن الصدقة يربيها كذلك طاعة العبد يكثّرها وينّميها . قوله جل ذكره : [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 20 ] كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ( 20 ) يجازى كلا بقدرة ؛ فلقوم نحاة ولقوم درجات ، ولقوم سلامة ولقوم كرامة ، ولقوم مثوبته ، ولقوم قربته . قوله جل ذكره [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 21 ] انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ( 21 ) التفضيل على أقسام ، فالعبّاد فضّل بعضهم على بعض ولكن في زكاء أعمالهم ، والعارفون فضّل بعضهم على بعض ولكن في صفاء أحوالهم ، وزكاء الأعمال بالإخلاص ، وصفاء الأحوال